توفيق أبو علم

185

السيدة نفيسة رضي الله عنها

يغزلنه ، وبنصفه الآخر ما يموّنهنّ طول الأسبوع ، فأخذت العجوز يوماً ما غزلته على عادتها ، ولفّته في خرقة حمراء ومضت به إلى السوق لبيعه ، فبينما هي سائرة في طريقها والغزل على رأسها ، إذ انقضّ طائر على رزمة الغزل بخرقتها الحمراء ، واختطفها وارتفع ، فوقعت المرأة مغشيّاً عليها ، فلّما أفاقت أذرت دموعها ، وأسالت عينيها ، واسترسلت في بكائها ، ثم أخذت تقول : كيف أصنع باليتيمات ، وقد أجهدهنّ الجوع ، وآلمهن السغب ، فاجتمع القوم عليها ، وسألوها عن شأنها وعمّا أبكاها ، فأخبرتهم بقصّتها ، فدلّوها على أن تذهب إلى السيّدة نفيسة رضي اللَّه عنها تبثّها بثّها وحزنها ، وتذكر لها أمرها ، فينفّس اللَّه ما بها ، ويزيل غماءها . فذهبت إليها لوقتها ، فأخبرتها بقصّتها وما جرى لها ، وما أصاب بناتها من جوع ، وسألتها الدعاء ، فأشفقت عليها السيّدة نفيسة ورثت لها ولبناتها ، ثم رفعت السيّدة نفيسة ببصرها إلى السماء وقالت : يا من علا فقدر ، وملك فقهر ، أجبر من أَمتك هذه ما انكسر ، فإنّها وبناتها من خلقك وعيالك ، يا أرحم الراحمين . ثم قالت للعجوز : اقعدي ، فإنّ اللَّه بعباده رحيم ، وهو على كلّ شيء قدير ، فجلست المرأة بالقرب من الباب ، وفي قلبها من جوع بناتها التهاب . فلم تمض ساعة حتّى أقبل جماعة يطرقون باب السيّدة نفيسة ويستأذنون في الدخول ، فأذنت لهم ، فدخلوا وسلّموا عليها وهي من وراء حجاب ، فسألتهم عمّا أقدمهم وعن أمرهم ، فقالوا : إنّ لنا لأمراً عجباً ، نحن قوم تجّار ، ولنا مدّة ونحن سائرون في البحر في سلامة وأمان ، فلمّا وصلنا إلى قرب بلدكم انثغرت في مركبنا ثغرة ، وفُتحت فيها فتحة ، فدخل فيها الماء وأشرفنا على الغرق ، فجعلنا نسدّ تلك الثغرة فلم تنسدّ ، فاستغثنا باللَّه تعالى ، وضرعنا إليه وتوسّلنا بك إليه ، فإذا بطائر ألقى إلينا خرقةً فيها غزل من الكتّان ، فوضعناها في تلك الفتحة ، فانسدّت بإذن اللَّه تعالى وببركتك ، وقد جئنا إليك بخمسمائة درهم فضة شكراً للَّه‌تعالى على نجاتنا وسلامة مركبنا . وعند ذلك بكت السيّدة نفيسة رضي اللَّه عنها ورفعت بصرها إلى السماء وقالت : إلهي ما أرأفك بخلقك ! وألطفك بعبادك ! فلك الحمد الجميل والشكر الجزيل . ثم نادت العجوز ، فأقبلت مسرعةً ، فقالت لها سيدة الدارين : بكم تبيعين غزلك كلّ جمعة ؟ فقالت : بعشرين درهماً ، فقالت : أبشري ، فإنّ اللَّه تعالى عوّضك عن كلّ درهم خمساً وعشرين درهماً !